مصطفى صادق الرافعي
23
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
فتنم بسر هذا العالم الصغير . . . ثم بينا هي تتساقط من الأفواه تساقط الدموع من الأجفان ، وتدع القلب من الخشوع كأنه جنازة ينوح عليها اللسان ، وتمثل للمذنب حقيقة الإنسانية حتى يظن أنه صنف آخر من الإنسان - إذ هي بعد ذلك إطباق السحاب وقد انهارت قواعده والتمعت ناره وقصفت في الجو رواعده ، وإذ هي السماء وقد أخذت على الأرض ذنبها ، واستأذنت في صدمة الفزع ربها ، فكادت ترجف الراجفة تتبعها الرادفة : وإنما هي عند ذلك زجرة واحدة : فإذا الخلق طعام الفناء وإذا الأرض « مائدة » . توهموا السحر ما توهموه ، فلما أنزل اللّه كتابه قالوا : هذا هو السحر المبين . وكانوا يأخذون في ذلك بباطن الظن فأخذوا هذا بحق اليقين أَ فَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ ومن الشعر ما تسمعونه أم أنتم لا تسمعون ؟ بل إنه لسحر يغلب حتى يفرق بين المرء وعادته ، وينفذ حتى ينصرف بين القلب وإرادته . ويجري في الخواطر كما تصعد في الشجر قطرات الماء ، ويتصل بالروح فإنما يمد لها بسبب إلى السماء ، وإنه لسحر ، إذ هو ألحاظ لم تعهد كلم أحداقها ، وثمرات لم تنبت في قلم أوراقها ، ونور عليه رونق الماء فكأنما اشتعلت به الغيوم ، وماء يتلألأ كالنور فكأنما عصر من النجوم « 1 » ، وبلى إنه لشعر ولكن زنة مبانيه في معانيه ، وزينة معانيه في مبانيه ، فكل معنى ولا جرم من بحر ، وكل لفظ كلؤلؤة في النحر ، وإنه لشعر ، إذ هو آيات لا يجانس كلامها البديع غير كمالها ، وحقيقة في الوجود لم يكن يعرف غير خيالها ، ومرآة في يد اللّه تقابل كل روح بمثالها . يقولون مجنون بعض آلهتنا اعتراه « 2 » ، وأساطير الأولين اكتتبها أم يقولون افتراه ، بلى إن العقل الكبير في كماله ليتمثل في العقول الصغيرة كأنه جنون ، وإن النجم المنير فوق هلاله ليظهر في العيون القصيرة كأنه نقطة فوق نون ، وهل رأوا إلا كلاما تضيء ألفاظه كالمصابيح ، فعصفوا عليه بأفواههم كما تعصف الريح يريدون أن يطفئوا نور اللّه وأين سراج النجم من نفخة ترتفع إليه كأنما تذهب تطفيه ، ونور القمر من كف يحسب صاحبها أنها في حجمه فيرفعها كأنما يخفيه ! وهيهات هيهات دون ذلك درج الشمس وهي أم الحياة في كفن ، وإنزالها بالأيدي وهي روح النار في قبر من كهوف الزمن . لا جرم أن القرآن سر السماء فهو نور اللّه في أفق الدنيا حتى تزول . ومعنى الخلود في دولة الأرض إلى أن تدول ، وكذلك تمادى العرب في طغيانهم يعمهون ، وظلت آياته تلقف ما يأفكون ، فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون .
--> ( 1 ) المراد بهذا الفصل تصوير ما يناسب التخييل السحري كما أن الفصل الذي يليه يرمي إلى ما يتعلق بمثل ذلك في الشعر . ( 2 ) أي اعتراه بسوء ، وهو اكتفاء .